الشيخ محمد مهدي شمس الدين
188
التاريخ وحركة التقدم البشري ونظرة الإسلام
ومشارب الصبر والمقر ( 1 ) ، ولباس شعار الخوف ودثار السيف ( 2 ) ، وإنما هم مطايا الخطيئات وزوامل الآثام ( 3 ) ( 4 ) . في هذا النص بين الإمام أيضا طابع الشمول لهذه الفتنة . وذكر جمهور الناس في كل عصر بالسبب الموضوعي الذي ولدها ، ومكن لها ، وهو تجاوز الشرعية في الحاكم والنظام ، والانسياق وراء المصالح الخاصة ، والأنانيات الفردية والقبلية ، وعدم تحمل مسؤوليات الصراع ضد الباطل وأهله . * ومن ذلك قوله عليه السلام مخاطبا الخوارج ، مخبرا لهم بما سيكون عليه حالهم في نظام الفتنة الآتي حيث لا يجدون الإنصاف والعدل ، والتفهم لأوضاعهم وآمالهم التي يجدونها في نظام العدل الذي يقوده الإمام . أما إنكم ستلقون بعدي ذلا شاملا ، وسيفا قاطعا ، وأثرة ( 5 ) يتخذها الظالمون فيكم سنة ( 6 ) . * تنتصر الفتنة ، وتسود مفاهيمها ، وتفرض على المجتمع قيمها ، وتمضي على ذلك السنون ، والفتنة تزداد قوة ومناعة وتسلطا ، ويمتد سلطانها لينفذ في كل زاوية وعلى كل صعيد في المجتمع ، ويسود الإعتقاد بأن كل شئ قد انتهى ، وبأن التاريخ قد استقر على هذه الصيغة إلى النهاية ، وتنشأ على هذا الإعتقاد أجيال بعد أجيال . ولكن هذا الإعتقاد خاطئ ، فحركة التاريخ لا تتوقف عند صيغة بعينها ، بل هي دائبة التقلب والتغير ، وسيكون لانتصار الفتنة واستقرار سلطانها نهاية قد لا تنتهي بها الفتنة ، ولكنها تواجه مقاومة جديدة .
--> ( 1 ) الصبر : عصارة شجر مر ، والمقر : السم . ( 2 ) الشعار من الملابس ما يكون على الجلد ، والدثار ما يكون على الثياب . ( 3 ) الزاملة الناقة أو الدابة التي يحمل عليها المتاع . ( 4 ) نهج البلاغة ، الخطبة رقم : 158 . ( 5 ) الأثرة : الاستبداد بالخيرات دون الآخرين . ( 6 ) نهج البلاغة ، الخطبة رقم : 58 .